ما البطولة الأكثر جذباً للجماهير سواء في المدرجات أو خلف شاشات التلفزة؟ سؤال تظل إجابته صعبة إذا ما بحثنا من الخليج إلى المحيط، فهناك الكثير من الاختلافات التي قد تؤخذ بالاعتبار قبل الإجابة، لكن لتقليل الحساسية المفرطة عند بعضهم هنا أو هناك، يمكننا القول: إن البطولة السعودية هي واحدة من الأفضل في جذب الجماهير.
فهناك -وخلافاً لما هو معتاد- لا تنحصر جماهيرية الأندية الكبيرة في معقلها ومدينتها فقط، فالمتتبع لمختلف المباريات للفرق الكبيرة؛ مثل: الهلال والنصر والأهلي، يدرك مدى القاعدة الشعبية التي تتمتع بها في ملاعب ومدن بعيدة عن العاصمة الرياض أو مدينة جدة.
قبل أن يتجمد نشاط الدوري السعودي، وخلال 22 جولة من البطولة شهدت الملاعب السعودية وجود مليون وربع المليون مشجع فوق المدرجات، وفي حال استكمل الموسم يمكن أن يصل العدد لمليونين مع ارتفاع حدة المنافسة سواء على اللقب أو للهروب من شبح الهبوط، لكن ما الذي تغير في السنوات القليلة الماضية وجعل من أرقام الحضور الجماهيري ترتفع إلى هذا العدد المميز؟ وكيف توسعت دائرة الجماهير فوق المدرجات؟ وكيف انتقل التنافس بين اللاعبين إلى الجماهير أيضاً؟
عاشت الكرة السعودية فترة من الركود الكوري، فقد غابت النتائج عن الأندية أو المنتخب، فلا الأندية اهتدت لطريق التنافس القوي على لقب دوري أبطال آسيا، ولا الأخضر الوطني استعاد قوته في بطولة كأس آسيا التي شهدت مشاركة أقل من عادية في نسختي 2011 و2015.
ولكن مع تطوير المنظومة الإدارية والتي فتحت الباب أمام الأندية لكي تعزز من قواها الفنية بجلب أسماء كبيرة من المحترفين، وعودة الهلال تحديداً للمنافسة على لقب دوري أبطال آسيا وبلوغه النهائي في نسختين خلال ثلاثة أعوام، قُلِبت الموازين من جديد في صالح البطولة السعودية؛ إذ بدأت الأندية بالتركيز على تعزيز قوتها من أجل المنافسة على الألقاب المحلية، وهو ما فعله الأهلي قبل سنوات قليلة عندما امتلك خيرة المحترفين ونجح في فرض قوته والفوز بالثلاثية المحلية التي جعلت جماهير "قلعة الكؤوس" تزحف خلف الفريق سواء في المباريات البيتية في جدة أو في المدن المختلفة.
أما النصر فقد استعاد زخمه التاريخي، وعاد للظفر بالدوري بعد غياب طويل دام 18 موسماً، وهو ما دفع جماهيره التي ابتعدت كثيراً للعودة للمدرجات؛ حيث آمنت بحظوظ فريقها أخيراً، وبقدرته على الصعود لمنصة التتويج، لتعود جماهير "الشمس" لتملأ المدرجات بأكثر من 50 ألف متفرج وأكثر في كل المدرجات المنزلية.
والجميل بتلك العودة الجماهيرية لمختلف الملاعب السعودية، أنها لم تكون عودة كلاسيكية، فقد امتلكت الجماهير روابط للمجشعين تقوم بالعديد من الأدوار المهمة في جذب المزيد من المتفرجين سواء بتنظيم ما عُرِف عنه "بالدخلات" التي عرفت إشهار الكثير من الرسومات أو اللوحات الفنية، كما أنها رفعت الشعارات التحفيزية للاعبين.
وحفزت هذه الأعمال الجماهير والأجيال الجديدة للاندفاع نحو المدرجات وملء الفراغ بأمور جيدة بعيداً عن إهدار الوقت في أمور أخرى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل إن الأجيال الكبيرة التي كانت تذهب للملاعب منذ عقود وابتعدت لأسباب عدة، رأت أن الوقت قد حان لاستعادة المكان والاستمتاع بأجواء كروية متميزة، ولم يكن بغريب أن ترى الجد والأب مع الأبناء يصطفون في مجموعة متكاملة خلف قميص النادي وشعاره المحبب لديهم.
كسبت الكرة السعودية الرهان، واستعادت مكانتها الكروية من جهة، وارتقت لمصاف القمة من حيث الاهتمام الجماهيري والأعداد التي تزحف خلف المدرجات في الوقت الذي تعيش فيه العديد من البطولات العربية حالات من الهروب الجماعي لنكوص في الحوافز الفنية والمعنوية، أو حتى تلك التي تعاني الإبعاد القسري بحجج واهية.
ويعد الهلال أحد أكبر وأكثر الأندية تتويجاً على الساحتين المحلية والقارية، ولكنه عانى خلال سنوات قليلة ماضية من عقبة الفوز بلقب دوري أبطال آسيا الذي أصبح هاجساً كبيراً له ولأنصاره، فبعد محاولات مضنية اهتدى لطريق اللقب، ويمكن القول: يُدين الأزرق بالفضل لهذا التتويج لكوكبة من المحترفين الذين يملكهم، وفي مقدمتهم: جوميز، جيوفينكو، كاريو، إدواردو الذين شكلوا القوة الهجومية الضاربة التي جلبت اللقب.