الكاتب: مسعود علاّل
دأبت المنتخبات العربية على الاستعانة بالعديد من اللاعبين الناشئين في بيئات خارج الوطن العربي قصد تدعيم صفوفها وتعزيز حظوظها في التنافس على البطولات والمشاركة في المسابقات الكبرى، وذلك منذ بداية العمل بقانون "الباهاماس" الذي تم التصديق عليه من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" في العام 2009 بجزر الباهاماس، حيث سُنّ قانون يخوّل للاعب الذي يحمل أكثر من جنسية حرية تغيير المنتخب وفق شروط عدة.
واستغلت بعض المنتخبات العربية فرصة سن هذا القانون، واستعانت بالعشرات من اللاعبين، لكن منتخبات الجزائر والمغرب وتونس برزت بشكل واضح في هذا المجال؛ إذ سيطرت على المشهد بامتلاكها لاعبين ذوي قيمة عالية وسمعة طيبة من الناحية الفنّية، مقارنة بمنتخبات عربية أخرى لم يتعدّ اعتمادها على هذه الفئة من اللاعبين أصابع اليد الواحدة؛ منها: مصر ولبنان والسودان والعراق وسوريا وموريتانيا.
ويبدو استحواذ منتخبات المغرب العربي: الجزائر والمغرب وتونس على المواهب الكروية الناشئة في الخارج منطقياً إلى حد كبير خلافاً لباقي المنتخبات؛ إذ تعود أسباب وفرة اللاعبين من أصول مغاربية وسيطرتها على المشهد الكروي مقارنة بلاعبين من أصول عربية أخرى بالوجود القوي للجالية المغاربية في أوروبا مهد كرة القدم، والتي تعد بالملايين خاصة فرنسا التي كانت منذ القرن الماضي ولا تزال الوجهة المفضّلة لشعوب المغرب العربي التي قرر قطاع واسع منها الهجرة للبحث عن مستقبل أفضل، أو للهرب من جحيم الاستعمار.
وتوجد الجاليات الجزائرية والمغربية والتونسية بقوة في فرنسا، بينما يبرز وجود الجالية المغربية بشكل واسع أيضاً في هولندا وإسبانيا والبرتغال. وسمح ذلك لمنتخبات البلدان المغربية باستقطاب الكثير من المواهب والنجوم التي صنعت لنفسها اسماً وبلغت العالمية على غرار الجزائري رياض محرز والمغربي المهدي بنعطية، بينما فضل عدد من هذه المواهب "التحدّي الرياضي" واللعب لمنتخبات بلدان مولدهم؛ منهم: الفرنسي زين الدين زيدان ذو الأصول الجزائرية، والفرنسي عادل رامي ذو الأصول المغربية، وحاتم بن عرفة ذو الأصول التونسية.
كما تبرز أسباب إضافية لوفرة اللاعبين من أصول مغربية في القارة العجوز مقارنة بلاعبين من أصول عربية أخرى، على غرار التوجه والميل نحو رياضات جماعية وفردية أخرى؛ مثل: كرة السلة واليد وألعاب القوى والجودو، فضلاً عن نقص أو غياب طرق التنقيب عن المواهب التي من أصول عربية في الخارج قصد الاستفادة من خدماتها لتدعيم المنتخبات، بعكس منتخبات الجزائر والمغرب وتونس والتي غالباً ما تقوم بتكليف وكلاء أو لاعبين سابقين بإنشاء خلية خاصة مهمتها البحث والتنقيب عن المواهب والتواصل معها قصد ضمها لصفوفها.
تنافس مغاربي
وسمحت هذه الخطوة بـ"خطف" العشرات من اللاعبين، والبداية كانت في الجزائر التي تعد رائدة في هذا المجال؛ حيث ضمت منذ مطلع الألفية أكثر من 60 لاعباً لمختلف فئات المنتخب، خاصة الفريق الأول، وذلك بسبب تدني مستوى لاعبي الدوري المحلي، وكانت البداية بـ عنتر يحيي وجمال بلماضي ونذير بلحاج ومجيد بوقرة وكريم زياني ومراد مغني، وصولاً إلى سفيان فيغولي وياسين إبراهيمي ورياض محرز وفوزي غلام.
وسار منتخب المغرب على خطا الجزائر في السنوات القليلة الماضية؛ إذ تمكن من دعم صفوفه بالكثير من اللاعبين، ويبقى أبرزهم على الإطلاق: حكيم زياش، أشرف حكيمي، المهدي بنعطية، نصير مزراوي، يونس بلهندة، بينما أظهرت دراسة كشفت عنها صحيفة "الأخبار" التونسية في خريف العام الماضي إحصاء أكثر من 300 لاعب من أصول تونسية في الخارج، بينهم 100 لاعب في فرنسا، مضيفة أن اتحاد كرة القدم التونسي رسم منذ العام 2016 خطة تهدف إلى استقطاب المواهب الشابة الناشئة لضمها إلى المنتخبات الوطنية.
وضم المنتخب التونسي بالفعل على مدار السنوات الماضية عدداً من المواهب الكروية الناشئة في أوروبا؛ منها: وهبي الخزري، وإلياس السخيري، ويوهان بن علوان، ونعيم السليتي، وأنيس البدري، وديلان برون، وصيام بن يوسف.
وفيما يخص المنتخبات العربية الأخرى فقد عمد بعضها في السنوات الأخيرة إلى محاولة الظفر ببعض اللاعبين مزدوجي الجنسية على غرار منتخبات السودان ولبنان وسورية.
مواهب صاعدة جديدة وتحدّيات كبيرة
وأما بالنسبة إلى المواهب الكروية الصاعدة فيبرز الكثير منها في أوروبا، لكن موقفها من تمثيل منتخباتها الأصلية يتأرجح بين الرفض والتردد في الحسم؛ منها: أمين باسي لاعب نانسي الفرنسي وماتيو القندوزي لاعب أرسنال اللذان يمكنهما اللعب لفرنسا والمغرب، بينما فصل النجم الصاعد محمد احتارين في مستقبله باللعب لهولندا على حساب المغرب.
وبالنسبة إلى تونس قرر كريم المرابطي اللعب لمنتخب السويد، وفيما يخص الجزائر فإن لاعبين عدة يستهدفهم اتحاد الكرة لكن موقفهم يبقى غامضاً؛ مثل ياسين عدلي لاعب بوردو الفرنسي، وياسر لعروسي لاعب ليفربول الإنجليزي، وريان آيت نوري لاعب أنجيه الفرنسي، وحسام عوّار لاعب أولمبيك ليون الفرنسي.
وكان الأثر الإيجابي لوجود اللاعبين مزدوجي الجنسية في منتخبات الجزائر وتونس والمغرب واضحاً؛ إذ سمح لها بالعودة القوية في المسابقات القارية والعالمية، على غرار الجزائر التي عادت لخوض بطولات كأس العالم منذ دورة 2010 بجنوب إفريقيا والبرازيل 2014 بعد غيابها عنها منذ دورة 1986، كما تٌوِّجت أيضاً بلقب أمم إفريقيا 2019 الأخيرة بمصر، بينما عاد منتخبا المغرب وتونس للمشاركة في البطولة العالمية من بوابة روسيا 2018 بعد سنوات عدة من الغياب أيضاً.