مثلما كان للجزائر فصيل عسكري قبل استقلال الدولة "جيش التحرير الوطني"، كان لديها أيضًا فريق وطني هو فريق جبهة التحرير الوطني، الذي ساهم أعضاؤه بعد استقلال البلد في بناء أسس الكرة الجزائرية، والمساهمة بطريقة مباشرة في تألق منتخب الجزائر، ضمن كأس أمم أفريقيا.
وكان لشخصيات بارزة في فريق جبهة التحرير الوطني مثل رشيد مخلوفي وعبد الحميد كرمالي رحمه الله، أدوار مهمة في الارتقاء بكرة القدم الجزائرية، وقيادة "محاربي الصحراء" لتحقيق نتائج جيدة في "الكان"، والأكثر من ذلك التتويج بلقب البطولة.
ويكشف هذا التقرير من winwin عن الكيفية التي ساعد بها فريق جبهة التحرير الوطني في مساعدة "محاربي الصحراء" ضمن كأس أمم أفريقيا.
ما هو فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري؟
فريق جبهة التحرير الجزائري هو امتداد لحزب جبهة التحرير الوطني الذي قاد الثورة الجزائرية خلال الفترة ما بين 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 و5 يوليو/ تموز 1962.
وتأسس فريق جبهة التحرير الوطني لكرة القدم رسميًّا يوم 13 أبريل/ نيسان 1958، بوصفه شكلًا من أشكال تعريف الجزائريين بثورتهم التحريرية، من خلال الرياضة.
وخاض الفريق منذ تأسيسه وإلى غاية استقلال الجزائر، يوم 5 يوليو، 62 مباراة دولية في أوروبا الشرقية وأفريقيا وآسيا، ونجح في التعريف بالثورة الجزائرية عبر العالم.
والأجمل في قصة هذا الفريق، هو أنه تكون من لاعبين جزائريين كانوا نجومًا في الدوري الفرنسي، ولكنهم تركوا الثروة من أجل الثورة، وتخلوا عن الشهرة والمال والمستقبل الكروي الكبير من أجل المساهمة في استقلال البلاد.
وأُسنِدت مهمة اختيار لاعبي فريق جبهة التحرير الوطني إلى محمد بومزراق، واختيرت تونس مقرًا لإقامة هذا الفريق، بعد اضطرار غالبية لاعبيه المحترفين للهرب سرًّا من فرنسا عبر إيطاليا وسويسرا.
وكان لهروب 9 لاعبين من فرنسا إلى فريق جبهة التحرير الوطني وقع إعلامي كبير في فرنسا؛ إذ كتبت صحيفة "ليكيب" الفرنسية "اختفاء 9 لاعبين جزائريين"، أبرزهم رشيد مخلوفي مهاجم نادي سانت إيتيان الفرنسي وأحد أفضل لاعبي الدوري الفرنسي آنذاك، ومصطفى زيتوني مدافع نادي موناكو والذي كان مطلوبًا من نادي ريال مدريد الإسباني.
ونجح هؤلاء اللاعبون في الوصول إلى تونس مقر إقامة فريق جبهة التحرير الوطني، فيما ألقي القبض على الثنائي محمد معوش وحسان شبري، وحُكِم على الأول بالسجن عامًا واحدًا بتهمة المساس بأمن الدولة.
وقرر الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بضغط من فرنسا ودول أوروبية عدم الاعتراف بفريق جبهة التحرير الوطني، وعلى الرغم من ذلك، قام الفريق بجولات دولية في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية، وأسهم بشكل كبير في الترويج للثورة الجزائرية.
مخلوفي وبناء "الملك غير المتوج"
بعد استقلال الجزائر، واصل عديد لاعبي فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية مسيرتهم مع المنتخب الوطني، ثم أسهم كل واحد منهم بشكل أو بآخر في تطوير كرة القدم الجزائرية، وفي مقدمتهم رشيد مخلوفي.
وكان مخلوفي نجمًا في نادي سانت إيتيان الفرنسي ما بين عامي 1954 و1958، وكان من المفترض أن يكون لاعبًا في منتخب "الديوك" لخوض كأس العالم 1958، ولكنه ترك فرنسا والتحق بفريق الجبهة.
وتولى مخلوفي تدريب "الخضر" على فترتين؛ الأولى ما بين عامي 1971 و1972، والثانية ما بين 1975 و1979 وفيها استطاع تحقيق إنجازات عديدة، حيث أهدى الجزائر ذهبيتي ألعاب البحر الأبيض المتوسط عام 1975 وذهبية الألعاب الأفريقية 1978.
وأسهم في الفترة الممتدة ما بين 1975 و1979 في بناء "الملك غير المتوج"، وهي تسمية تطلق على منتخب الجزائر الذي كان من بين أفضل المنتخبات في أفريقيا سنوات الثمانينات، ولكنه لم يتوج بأي لقب لكأس أمم أفريقيا.
ونجح مخلوفي أيضًا في اكتشاف لاعبين أصبحوا بعد ذلك نجومًا لمنتخب الجزائر في ثمانينات القرن الماضي، على غرار لخضر بلومي وصالح عصاد ورابح ماجر وشعبان مرزقان وغيرهم، ولكنهم لم ينالوا شرف الفوز بكأس أمم أفريقيا في حقبة الثمانينات، حيث احتلوا المركز الثاني في "كان" 1980، والرابع عام 1982، والثالث عام 1984، وخرجوا من الدور الأول عام 1986، وحصدوا المركز الثالث في كأس أمم أفريقيا 1988.
وتولى مخلوفي قيادة المنتخب الوطني في كأس العالم بإسبانيا 1982 رفقة المدرب محيي الدين خالف، ولكن محاربي الصحراء غادروا البطولة من الدور الأول، رغم تحقيقهم فوزين أمام ألمانيا وتشيلي، بسبب مؤامرة ألمانيا والنمسا الشهيرة التي تسببت في إقصاء "الخضر".
كرمالي يهدي الجزائر أول لقب في كأس أمم أفريقيا
رجل آخر من رجال فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية، أسهم في صنع مجد منتخب الجزائر الأفريقي، وهو الراحل عبد الحميد كرمالي.
كرمالي لعب لناديي اتحاد سطيف واتحاد العاصمة بين عامي 1948 و1952، ورحل بعدها إلى فرنسا، ليحمل قمصان أندية ميلوز وكان وأولمبيك ليون بين 1953 و1958، ليلتحق بعدها بفريق جبهة التحرير الوطني عام 1958.
وتولى الراحل كرمالي مهمة تدريب "الخضر" بين عامي 1989 و1992، وقاده للتتويج بأول لقب لبطولة كأس أمم أفريقيا التي احتضنتها الجزائر عام 1990.
وبتشكيلة تضم رابح ماجر وجمال مناد وشريف وجاني وسي طاهر شريف الوزاني وغيرهم، تمكن "الخضر" بقيادة المدرب كرمالي في الدور الأول لـ"كان" 1990 من الفوز على نيجيريا ومصر وكوت ديفوار وتصدر مجموعتهم، ليعبروا إلى نصف نهائي الدورة التي أجريت بمشاركة 8 منتخبات.
وفي نصف النهائي فاز منتخب الجزائر بصعوبة (2-1) على السنغال، ثم فاز في النهائي (1-0) على نيجيريا، ليتوج بكأس أمم أفريقيا للمرة الأولى في تاريخه بقيادة المدرب الراحل عبد الحميد كرمالي.
وتجدر الإشارة إلى أنه من بين 32 لاعبًا لفريق جبهة التحرير الوطني، كان للبعض منهم شرف تدريب منتخب الجزائر، وهم رشيد مخلوفي وعبد الحميد زوبا وعبد الحميد كرمالي ومحمد معوش وقادر فيرود وسعيد عمارة وعبد العزيز بن تيفور وعبد الرحمن إبرير.
وتوفي 29 من لاعبي فريق جبهة التحرير الوطني، ولم يتبق سوى 3 على قيد الحياة؛ هم محمد معوش ورشيد مخلوفي ودحمان دفنون.