جلال القادري.. بين مطرقة "الاستحقاقات" وسندان "الخيارات"

بواسطة Bacem.Selmi , 9 نوفمبر 2023

أعلن مدرب منتخب تونس الأول لكرة القدم، جلال القادري، عن قائمته المستدعاة لمواجهتي ساو تومي ومالاوي ضمن التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، خلال التوقف الدولي الخاص بشهر نوفمبر الجاري.

ويعتزم "نسور قرطاج" السّاعون لبلوغ الحدث المونديالي للمرة الثالثة تواليًا والسابعة في تاريخهم، مواجهة ضيفهم ساوتومي في 17 نوفمبر، على  ملعب "حمّادي العقربي" بالضاحية العاصمية رادس، قبل مواجهة مضيفهم منتخب مالاوي في الجولة الثانية من التصفيات بتاريخ 21 من الشهر ذاته في ليلنغوي.

وكما جرى العُرف، عند الكشف عن أيّ قائمة، انطلقت حشود المتابعين والإعلاميين في إطلاق أسهم النقد، التي تنوّعت بين "المنطقية" و"غير الواقعية"، بيد أن المؤكد أنّ هذه القائمة الجديدة حملت معها بعض التساؤلات والظواهر المتعلقة خصيصًا بوضعية المدرب جلال القادري، والتي ارتأينا أن نشاركها مع جمهور "winwin" في المحاور التالية:

شلّال التجارب "لا ينضب"

أوّل ما يمكن أن يلفت النظر في قائمة القادري هو عدم توقّفه عن تجربة عناصر جديدة في كل موعد تقريبًا، وهو الذي اعتمد على 47 لاعبًا حتى الآن منذ تسلمه زمام تدريب المنتخب في يناير 2022.

رقم كبير يمكن قراءته من منظورٍ سلبي، لا سيما عندما تتزامن عملية "التجربة" مع استحقاقات في غاية الأهمية وعلى مدى زمني قريب، وهو حال الفترة الحالية الخاصة بافتتاح تصفيات مونديال 2026، أو التحدي التالي المتعلق بالمشاركة في كأس أمم أفريقيا في كوت ديفوار المقررة انطلاقتها في 13 يناير 2024.


قائمة "نسور قرطاج" الجديدة شهدت حضورَ رباعيٍّ لأول مرة، والحديث عن: أمين الشارني (ستاد لافال الفرنسي)، وحسام تقا (الترجي)، وغيث الزعلوني (النادي الإفريقي)، ومحمد الحاج محمود (لوغانو السويسري).

في المقابل حملت القائمة عددًا من المفاجآت باستبعاد السّباعي: حنبعل المجبري (مانشستر يونايتد)، وأنيس بن سليمان (شيفيلد يونايتد)، ونادر الغندري (عجمان الإماراتي)، وعمر العيوني وعلي يوسف (هاكان السويدي)، وعصام الجبالي (غامبا أوساكا الياباني)، ومحمد دراغر (بازل السويسري).

كما حظيت القائمة أيضًا بعودة أسماء قديمة جديدة، على غرار "مايسترو" خط الوسط فرجاني ساسي (الغرافة القطري)، والمهاجم الهدّاف طه ياسين الخنيسي (الكويت الكويتي).


استعراض مستجدّات القائمة ليس من قبيل لوم مدرب المنتخب على خياراته، أو التشكيك في جدارة "الوافدين الجدد"، بل للإشارة إلى ضرورة التخفيف من الإيقاع المرتفع للتجريب والاختبار، قبيل المواعيد المهمة، لأنّ كثرة الاختيارات قد تسهم في تشتيت فكر المدرب الأول، وقد تعرقل ارتفاع منسوب الاستمرارية والتوازن واللُّحمة داخل المجموعة، وهي عناصر أساسية لأي منتخب ساعٍ نحو النجاح. 

تناقض في تبرير الاختيارات

القائمة واختيارات اللاعبين تبقى بالأساس من مهام القادري، والتعليق على مدى منطقيتها يظل مفتوحًا لكل ذوي العلاقة بالمنتخب من متابعين ولاعبين سابقين وإعلاميين وحتى جماهير، وكلّ ذلك أمر منطقي لا يزعج أحدًا، غير أنّ ما قد يُدخِل المنتخب في دوّامة من الأجواء السلبية، هي الاتهامات بفقدان العدل والمساواة والكيل بمكيالين عند اختياراته للقائمة، بل وأكثر من ذلك، الخطأ الأشد فداحة، هو الوقوع في التبريرات غير الواقعية، والتي تصل إلى حدود التناقض أحيانًا.

وفي هذا السياق، لا يمكن التغافل عن جواب القادري للصحفيين عن سبب استبعاد الثنائي حنبعل المجبري وأنيس بن سليمان، عندما صرّح قائلًا: "وضعيّتهما في نادييهما لم تساعدهما. لم يلعبا كثيرًا".


القادري عن سبب استبعاد حنبعل وبن سليمان: "لم يلعبا كثيراً"

ظاهر الجواب كفيل بعملية الإقناع، غير أنّ وجه التناقض يتمثّل في أنّ مدرب المنتخب استدعى حارس المرمى أيمن دحمان إلى معسكر شهر أكتوبر الماضي، رغم فقدان مكانه أساسيًّا في تشكيلة فريقه الحزم، بعد تراجعٍ رهيبٍ لمستواه، حيث تلقّى "سيلًا" من الأهداف، أشفعه برباعية في مواجهة كوريا الجنوبية الودية، لتكتمل الصورة القاتمة.

وبسؤال القادري وقتها عن سبب دعوة دحمان، برّر بأنّه حارسه الأول ومن واجبه الوقوف معه في هذه الفترة العصيبة، ومن هنا تبرز قمة التناقض، بين دحمان من جهة وحنبعل وبن سليمان من جهة أخرى، ما يشير إلى تناقض واضح في تعامل مدرب "النسور" مع لاعبيه.

مسلسل بقير في البال

في السياق عينه، تحضر مشكلة سعد بقير، قائد ونجم نادي أبها السعودي، الذي ما انفكّ يقدّم مستويات مميزة في دوري روشن، ورغم ذلك يفضّل المدرب عدم توجيه الدعوة إليه، لأسباب تتعلق بمسألة "الخيارات غير العادلة" التي أوصلت ابن مدينة تطاوين الجنوبية، إلى قطيعة تامة مع قميص منتخب بلاده ورئيس اتحاده وديع الجريء.

وأدلى القادري بتصريح في هذا الصدد، زاد الغموض أكثر حول وضعية اللاعب: "فيما يتعلق ببقير لدينا أسماء أخرى تحضر في مركزه، مثل فراس بالعربي ونعيم السليتي أو حتى محمد علي بن رمضان الذي يستطيع المشاركة في صنع اللعب، كل منتخبات وفرق العالم حاليًا لم تعد تعتمد على صانع الألعاب الكلاسيكي. كما أنني لا أريد الحديث أكثر في موضوع بقير لأنه أصبح مستهلكًا".


فقدان الشفافية وغياب العدل.. مسألة يتحمّل القادري جزءًا أساسيًّا منها، وفقًا لمتابعين، حتى وإن كان مُكرَهًا على بعض الأمور، وفقًا لتقارير؛ إذ إن قبول القادري شرف تدريب المنتخب يُحمِّله مسؤولية فرض النظام والمساواة بين الجميع على حد سواء، لكنّ كثرة الحديث عن غياب هذه المساواة يثير التساؤلات بشأن حقيقة ما يحدث.

المدرب و"كوادر" المنتخب.. تساؤلات تُطرح؟

من الأسئلة العميقة، التي يلوكها الشارع الرياضي التونسي فيما يتعلق بـ"نسور قرطاج"، ما مدى سيطرة جلال القادري على أجواء المنتخب؟

سؤال له ما يبرّره.. أوّلًا: لمجموعة من الأحداث غير الطبيعية التي حصلت قبيل الإعلان عن قائمة المنتخب قبل المشاركة في كأس العالم بقطر 2022، وحادثة بقير أبرزها، ومنها أيضًا صراع القيادة الذي جمع يومًا ما "حزب" المعتزل وهبي الخزري بـ"تكتّل" النجم الأول يوسف المساكني.

ثانيًا: الظروف الغامضة لاستبعاد ودعوة بعض الأسماء لعائلة المنتخب.

ولا يمكن تناسي شقّ ثالث، مقتنع إلى حد بعيد بأنّ سلطة القادري لا تتجاوز سلطة بعض الكوادر الأساسية داخل المجموعة، ويشيرون إلى أنّ سمات القادري الراقية "إنسانيًّا وأخلاقيًّا" تجعله عاجزًا -مع "بعض الأسماء"- عن فرض هيبته وكلمته العليا، وهو أمر يبقى في قالب التخمينات، لعدم بزوغ دلائل دامغة تشير إلى ذلك، رغم وجود بعض المؤشرات القابلة للتأويل في هذا الصدد.

الرحلة الآسيوية.. زادت الطين بلّة

عدد مهمّ ممّن يلقون باللوم على مدرب المنتخب، ينطلقون من نقطة أنّ القادري هو الرجل الأول، وبيده "الحلّ والربط" والقرار الأخير في كل ما يتعلق بشؤون "النسور"، وعليه فإنّ هناك غالبية وجّهت إليه سهام النقد بسبب الرحلة الآسيوية المرهقة في معسكر أكتوبر، والتي كلّفت المنتخب خسائر على جميع الأصعدة، باستثناء الحافز المالي.


رابع أهداف كوريا الجنوبية في مرمى تونس في الودية الأخيرة بين المنتخبين

أغلب النقّاد، اعتبروا أنّ خيار خوض المباراتين الوديتين اللتين خسرهما المنتخب أمام كوريا الجنوبية (0-4) واليابان (0-2)، هو خيار إستراتيجي خاطئ، لبُعد المسافة والروزنامة المكتظة بالتزامات المحترفين، الذين كابدوا عناء السفر في مجموعات مشتتة من أوروبا إلى أقاصي آسيا، لكسب الوقت.

وبالإضافة إلى ذلك طبيعة المنافسين التي لا تمتّ لاستحقاقات منتخب تونس المقبلة بأي صلة، فتصفيات كأس العالم وكأس أفريقيا، ستحمل معها منافسين أفارقة بطبيعة خاصة وأنماط لعب مختلفة، فالاستفادة الفنية كانت محدودة، علاوة على خسارة نقاط مهمة في تصنيف المنتخبات الصادر عن الفيفا.

هل اقترب "الربّان" من نهاية المغامرة؟

قد يستبعد كثيرون إقالة قريبة للقادري في ظل الاستحقاقات ذات الوتيرة المتسارعة، إضافة إلى مشاكل رئيس الاتحاد الذي لا يزال خلف القضبان حتى حدود كتابة هذه الأسطر، وهو ما قد يُدخِل المنتخب والكرة التونسية في نفقٍ مظلمٍ، في ظل أخبار عن عقوبات قد تحدث وتجميد محتمل للأنشطة من جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي سيرسل -حسب التقارير- وفدًا إلى تونس لجمع ملف عن وضعية وديع الجريء، ومدى حقيقة تدخّل "الدولة في الرياضة".

وبعيدًا عن ذلك، قد تنظر الجماهير إلى حصيلة القادري مع المنتخب بعينٍ من التشاؤم، بعد أن كان يحظى بإجماعٍ شِبه تام، في ظلّ حصد 11 انتصارًا و5 هزائم و4 تعادلات في 20 مباراة خاضها على رأس "النسور"، منذ تسلمه المهمة في يناير 2022.. حصيلة بدأت في الانزياح نحو المؤشر السلبي، وما على القادري سوى إعادة الأمور إلى نصابها، حتى لا يقترب أكثر من نهاية مغامرة غير سعيدة.

Image
جلال القادري المدير الفني للمنتخب التونسي (Getty)
Live updates
Off
Opinion article
Off
Source
Show in tags
Off
Caption
جلال القادري المدير الفني للمنتخب التونسي (Getty)
Show Video
Off