محمد خيري الجامعي
لا تستطيع العقول والقلوب والأعين المفتوحة في كل مكان أن تتخيل ملاعب كرة القدم دون الجوهرة الأرجنتينية ولاعب نادي برشلونة الإسباني ليونل ميسي. ويعد سحر ميسي المنثور في أصقاع العالم شاهد على أنه لاعب من كوكب آخر، صال وجال محققا أرقاما قياسية يصعب كسرها لسنوات طويلة في ملاعب كرة القدم. اقترب اعتزال ميسي حتما، وتلميحه إلى ذلك بعث برسائل رهيبة لجماهير برشلونة التي تعودت على ميسي رجل المهمات الصعبة، حيث صار ميسي القائد الملهم والرمز وهوية "البلاوغرانا الدائمة".
يحتاج النادي الكاتالوني إلى تفكير عميق ودراسة مدققة لمرحلة ما بعد ميسي، فلا الانتدابات الضخمة ولا الأسامي الرنانة المُضخمة إعلاميا قادرة على سد فجوة ميسي، لذلك يبدو برشلونة في وضع مربك وهو ينتظر الساعة التي يغادر فيها ميسي الملاعب. سيضع ميسي حدا لمسرة كروية ستظل محفورة في كتب التاريخ، ربما بعد كأس العالم 2022 في قطر، لكن التفكير في تعويض هذا اللاعب يكاد يكون مهمة مستحيلة في ظل الخيارات المعدومة والحلول القليلة المتوفرة مقارنة بحجم وتأثير ميسي.
تنتفي الخيارات أمام قداسة ميسي الكروية، فكل النجوم الذين مروا ببرشلونة مثل رونالدينهو وتشافي وإنيستا وغيرهم من المواهب الرائعة، استطاعت إدارة الفريق أن تتأقلم مع رحيلهم، لكن ميسي شيء آخر، صار هوية "البلوغرانا" بلمساته وقوته ونجاعته وروح القيادة التي ينشرها في الملعب حين لا يستطيع الجميع أن يتحرك قيد أنملة.
جيل برشلونة المبهر الذي صنع ربيع الفريق الكاتلوني بقيادة تشافي هرنانديز وأندري إنيستا ولوينيل ميسي وسيرجيو بوسكيتس وغيرهم من الأسماء الرنانة، كانت من خريجي أكاديمية لاماسيا، التي كانت الممول للفريق والداعم الأساسي لإخراج مواهب صنعت الفارق في برشلونة، لكن اليوم ومع اتجاه برشلونة نحو الانتدابات المكلفة ماليا، دون القدرة على الاستفادة كثيرا من خدمات بعض اللاعبين، على غرار الجوهرة الفرنسية عثمان ديمبيلي، والبرازيلي كوتنيو وغيرهم ممن توافدوا على الفريق الكاتالوني.
يبدو جليا أن تعويض ميسي لن يكون ناجعا بخيار انتداب لاعب لسد شغور الساحر الأرجنتيني، لأن الساحة الرياضة خاوية وليس من السهل تعويض ميسي، لذلك على إدارة برشلونة التفكير جيدا في خيار إعادة التعويل على أكاديمية لاماسيا والاهتمام بالمواهب الشابة من أجل استنساخ تجربة ميسي.
لن يكون ميسي حتما مثل الآخرين، نجوم عديدون صنعوا أمجاد برشلونة، ومواهب جمة حفرت أسماء في تاريخ النادي، وأسماء رنانة مرت من كامب نو ورفعت ألقابا كبيرة، وهتفت لها الجماهير على غرار رونالدينهو وتيري هنري وسامويل إيتو وديكو والقائمة تطول، لكن جميعهم لم يصلوا لقداسة ميسي الكروية. ستمر العاصفة القوية على برشلونة بعد رحيل ميسي، ليس لعدم قدرة النادي على تعويض جوهرته، بل لأن ما فعله ميسي يصعب تكراره في ملاعب كرة القدم، وهو شيء خيالي، ومجرد التفكير فيه يرهق الأذهان.