في مثل هذا اليوم عام 2005، حل تشيلسي ضيفًا على ليفربول على ملعب أنفيلد في مباراة الإياب الحاسمة من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، وهي مباراة شهدت الهدف الشبح الذي يُعد كابوسًا يُطارد المدرب جوزيه مورينيو حتى بعد مرور عقدين من الزمن.
كان من المتوقع أن تكون هذه المباراة حدثًا تاريخيًا، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في تاريخ البطولة الحديث، مما أسهم في تأجيج إحدى أعظم المنافسات الكروية الإنجليزية الحديثة.
السبب كان هدف الفوز المثير للجدل الذي سجله لويس غارسيا، والذي وصفته وسائل الإعلام البريطانية بأنه الهدف الشبح وقال عنه جوزيه مورينيو إنه "جاء من القمر أو من مدرجات أنفيلد رود": "لا نعرف إن كان هدفًا أم لا. أنا متأكد من أن الناس سيتحدثون عنه؛ لكننا ذاهبون إلى النهائي. ذاهبون إلى إسطنبول".
كانت هذه كلمات القائد ستيفن جيرارد قبل 20 عامًا من اليوم، بعد أن قاد "هدف لويس غارسيا الخادع" ليفربول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، متغلبًا على تشيلسي، بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، بهدفٍ واحدٍ في مباراتي الذهاب والإياب.
وفي ذكرى الهدف الشبح ركز موقع بي بي سي في تحقيق له وكذلك شبكة ذا أثلتيك في تقرير مطول لها على أحداث تلك الليلة الصاخبة بحضور شخصيات بارزة من كلا الجانبين.
قصة الهدف الشبح
في المواسم التي سبقت لقاءهما عام 2005، كان ليفربول وتشيلسي يتنافسان على التأهل لدوري أبطال أوروبا واستكمال المربع الذهبي في ظل وجود العملاقين أرسنال ومانشستر يونايتد، لكن الوضع تغير مع قدوم جوزيه مورينيو الذي عُيّن، مثل نظيره في ليفربول رافائيل بينيتيز، في صيف عام 2004.
فاز تشيلسي بالدوري الإنجليزي الممتاز بعد وصول البرتغالي إلى ميرسيسايد في مايو، وأنهى الموسم برصيد 95 نقطة، واستقبل 15 هدفًا فقط، وهو أقل عدد أهداف في تاريخه.
في المقابل، كان ليفربول يمر بفترة صعبة في الدوري وخسر نهائي كأس الرابطة أمام تشيلسي في ذلك الموسم، لكن أداءهم في أوروبا كان مختلفًا: فبعد تفوقهم على أولمبياكوس بهدف متأخر من ستيفن جيرارد في دور المجموعات، أطاحوا بيوفنتوس وباير ليفركوزن، ثم حققوا تعادلًا مستحقًا بدون أهداف مع تشيلسي في ذهاب نصف النهائي. لكن رغم لم ذلك كانت كل التوقعات لصالح تشيلسي للتأهل في مباراة العودة.
ديتمار هامان، لاعب وسط ليفربول قال: "كنا الفريق الأضعف. مع قاعدة الأهداف خارج الأرض، كنا نعلم أنه إذا استقبلنا هدفًا على أرضنا فسيكون الأمر صعبًا للغاية. كنا نعلم أننا بحاجة إلى أداء مثالي ضد أفضل فريق في إنجلترا، وقد هيأ لنا رافاييل خطة تكتيكية مثالية".
رافاييل بينيتيز، مدرب ليفربول قال: "كان مفتاح النجاح التكتيكي هو توازننا، حيث كان علينا أن نحافظ على تماسكنا وتنظيمنا الجيد. كنا نعتمد على خطة 4-4-2 للدفاع، و4-2-3-1 للهجوم. لم نكن لنمنحهم أي مساحة".
وتابع: "لم أكن أرغب في أن نركز على الدفاع العميق أو الضغط المتقدم، فدروغبا كان عداءً، بسرعة خارقة، وكنت أتحدث إلى سامي هيبيا (قلب دفاع ليفربول) عن ضرورة التحرك مبكرًا وتوقع حركته".
ريكاردو كارفاليو، مدافع تشيلسي قال: "نعم، كان اللعب ضدنا صعبًا، لكن ليفربول استحق التأهل إلى نصف النهائي أيضًا. كان لديهم مدرب جيد جدًا ولاعبون ممتازون أيضًا - جيمي كاراغر، هيبيا، وجيرارد. لقد كانوا متماسكين للغاية".
في الليالي الأوروبية الكبرى، ينبض ملعب أنفيلد روود بالحياة دائمًا، لكن هذه المباراة كانت على مستوى مختلف تمامًا، حيث احتشد المشجعون في الملعب مبكرًا، وخلقوا جوًا عدائيًا فاجأ بعض لاعبي تشيلسي.
روبرت هوث، مدافع تشيلسي: وصف الأجواء بقوله: "عندما وصلنا إلى الملعب، كان هناك الآلاف في الشوارع. عندما نزلنا من الحافلة، رأينا كل النيران الحمراء مع صخب كبير".
إيغور بيسكان، لاعب وسط ليفربول علق هو الآخر: "سبق لي أن شاركت في العديد من المباريات الهامة، لكن هذه المباراة كانت مختلفة. شعرتُ بذلك منذ لحظة خروجي للإحماء. كانت المدرجات تمتلئ بالفعل. أدرك المشجعون أننا بحاجة إلى مساعدتهم للوصول إلى النهائي. الجميع كان يتمنون ذلك بشدة. كان الحماس صاخبًا للغاية".
بينيتيز تابع: "كان لدى تشيلسي العديد من اللاعبين ذوي الخبرة والمستوى الرفيع، لكن حتى أفضل اللاعبين يشعرون بضغط مثل هذه الأجواء. لا شك أن هذا دفع لاعبينا إلى بذل جهد إضافي. هل كانت هذه أفضل مباراة لي في أنفيلد؟ إنها بالتأكيد واحدة من أفضل المباريات".
جاء الهدف الشبح بعد أربع دقائق فقط، حين مرر جيرارد تمريرة بين ثنائي دفاع تشيلسي جون تيري وكارفاليو، إلى ميلان باروش، الذي تقدم نحوه حارس المرمى بيتر تشيك، وسقطت الكرة أمام لويس غارسيا، الذي انقضّ عليها وسدد الكرة نحو المرمى. ظن ويليام غالاس أنه فعل ما يكفي لمنع الكرة من عبور خط المرمى، لكن الحكم السلوفاكي لوبوس ميشيل، بناءً على نصيحة مساعده رومان سليسكو، قرر أنها تجاوزت خط المرمى.
وعلّق كارفاليو عن الهدف الشبح بقوله: "المشكلة هي أنه لا أحد يستطيع تأكيد أن الكرة كانت داخل المرمى. لم تكن لديّ رؤية جيدة. كنت أنظر إلى ويليام وهو يركض للخلف ويركل الكرة، لذلك لا أستطيع الجزم، لكن ويليام كان يقول إن الكرة لم تتجاوز خط المرمى بكامل محيطها".
عقب احتساب الهدف الشبح قال هامان: "نظرتُ إلى المساعد، فاحتسب الهدف فورًا. كان الأمر أشبه بانفجارٍ في أنفيلد. مع تماسك تيري وكارفاليو، كنا نعلم أننا لن نحصل على العديد من الفرص، لذلك كان علينا أن ننطلق بقوة ونسيطر على مجريات اللعب. كانت بدايةً مثالية، وتحركًا متقنًا".
كان أمام تشيلسي 86 دقيقة، بالإضافة إلى الوقت بدل الضائع، لتسجيل هدف التعادل، والذي كان كافيًا، مع قاعدة الهدف خارج الأرض، ليضمن لهم التأهل إلى النهائي. بالنسبة لليفربول، كانت خطتهم هي الدفاع المستميت بكل اللاعبين إن تطلب الأمر.
بالنسبة لهوث المدافع طويل القامة، فقد قرر مورينيو أن يضعه حتى كمهاجم؛ إذ قال له مورينيو اذهب وسجل هدفًا. وقال عن ذلك: "كان أمامي 15-20 دقيقة فقط للتسجيل، لكن إنهاء الهجمات لم يكن أفضل ما لديّ".
في الدقائق الأخيرة، حانت لحظة تشيلسي، حيث أرسل لامبارد تمريرة عرضية عالية، مررها تيري برأسه، وبينما كان مدافعو ليفربول يقاتلون لإبعاد الكرة، سقطت الكرة الطائشة أمام إيدور غوديونسن عند القائم البعيد. كان اللاعب الأيسلندي الدولي على حافة منطقة الست ياردات، وبينما كان مدافعو ليفربول يتدافعون للتغطية. سدد الكرة قوية لكنها مرت بجوار القائم البعيد ببعض سنتيمترات في مشهد كان سيكون قاتلاً لجمهور الأنفيلد.
عن تلك الهجمة قال هامان وهو يشاهدها من على مقاعد البدلاء بعد خروجه: "عندما سقطت الكرة أمام غوديونسن في الدقيقة 90+5... بدا الأمر وكأن العالم توقف. كانت دراما حقيقية. كنتُ متوترًا. لو لمس جيمي تراوري الكرة عند القائم القريب، لربما كانت ستدخل المرمى".
لم يكن هناك وقتٌ لتشيلسي للعودة، ليتأهل ليفربول لأول نهائي له في البطولة منذ عام 1985، وعلق هامان: "لا يزال هدير الجماهير عند صافرة النهاية يُثير قشعريرة في جسدي".
وحسب شبكة بي بي سي قيل إن سكرتيرةً سابقةً لليفربول -وهي سيدةٌ مُسنّةٌ مُتقاعدةٌ الآن- كانت تجلس مُباشرةً على خط المرمى، عندما سُئلت عن تلك اللحظة قالت: "لقد فاقت كل الحدود!".
وصرح بينيتيز: "ذهبت للاحتفال مع زوجتي وبعض الأصدقاء، واستمتعت برؤية ما يعنيه ذلك للجميع. لقد مرّ 20 عامًا منذ أن وصل ليفربول إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، بدأت منذ ذلك الوقت التفكير في التحدي التالي".
بعد المباراة، لم يكن جوزيه مورينيو راضيًا عما حدث، وانتقد الحكام بسبب احتساب هدف غارسيا، أما الحكم فقال لاحقًا إنه كان يثق تمامًا في قرار مساعده سليسكو بالإشارة إلى هدف، وأنه لو لم يفعل، لكان قد احتسب ركلة جزاء وطرد تشيك لعرقلته باروس. ومع ذلك، لا يزال الجدل محتدمًا.
لكن بينيتيز رد: "كنتُ في اجتماع مجلس إدارة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مع بيتر تشيك مؤخرًا. كلما ورد ذكر تلك الليلة في حديثي، أقول له دائمًا: "حسنًا، ركلة جزاء وبطاقة حمراء لنا، لا تشتكي من احتساب هذا الهدف! هل كنتَ تفضل اللعب بعشرة لاعبين منذ بداية المباراة؟ كان يضحك!".
بالنسبة لليفربول، استمرت الأسطورة بالتتويج بدوري أبطال أوروبا في إسطنبول، بعد أن عوضوا تأخرهم أمام ميلان 3-0 ليتعادلوا 3-3، ثم تغلبوا على العملاق الإيطالي بركلات الترجيح، أما تشيلسي، الذي أنهى الموسم متقدمًا على ليفربول بفارق 37 نقطة في الدوري الإنجليزي الممتاز، فتظل تلك الذكرى خيبة أمل كبيرة كونهم كانوا الطرف الأفضل والمرشح الأكبر للفوز بالبطولة.