بولبابة الهرابي
يعد موت اللاعبين المفاجئ فوق المستطيل الأخضر الجانب الدرامي والمظلم في عالم الساحرة المستديرة، فعلى مدار سنوات تنقّل هذا القاتل المخيف بين ملاعب العالم، حاصداً الأرواح ومخلفاً آلاماً عميقة ومشاهد قاسية لن تُمحى من الذاكرة الكروية. قائمة تراجيديا الموت في ملاعب كرة القدم واسعة والأسباب مختلفة؛ منها سكتة قلبية مباغتة أو سقوط عنيف غير إرادي أو تدخل خشن من الخصم، تظل قابلة للارتفاع في كل موسم كروي، وربما لن يكون فاتي بابي لاعب منتخب بوروندي آخر الضحايا. في العام المنقضي أعادت حادثة وفاة فاتي 28 عاماً بسكتة قلبية في أثناء مباراة فريقه مالانتي تشيفز من سويزلندا بالدوري المحلي، أعادت إلى الأذهان قصة هذا القاتل المخيف في ملاعب كرة القدم لتروي لنا فصول ما فعل ببعض ضحاياه.
الأسباب تختلف والمصير واحد
مشهد موت الكاميروني مارك فيفيان فويه وعيناه شاخصتان خلال مباراة منتخب بلاده وكولومبيا في نصف النهائي كأس القارات عام 2003 بفرنسا، ظل راسخاً في ذاكرة الفواجع الكروية، فالكاميروني 28 عاماً (وقت وفاته) صاحب البنية الرياضية القوية انهار على الأرض بمفرده في صورة تستحضر سيناريوهات مماثلة نال فيها الموت المباغت من الإيفواري شيخ تويتي لاعب نيوكاسل الإنكليزي سابقاً وبكين أنترابريز الصيني في يناير الماضي عن عمر يناهز 30 عاماً، وقد تعرض الإيطالي بيير ماريو موروسيني لاعب فيرونا الإيطالي والإسباني أنطونيو بويرتا لاعب إشبيلية لنوبة قلبية، وفشلت جميع محاولات الإسعاف في إنقاذ حياتهما ليفارقا الحياة وسط دهشة الجميع.
طالت فاجعة أخرى أيضاً الأرجنتيني ميكائيل فافير لاعب نادي سان خورخي إثر تلقيه ضربة على الرأس بركبة أحد لاعبي فريق ديفينسوريس، وكشفت التقارير الطبية فيما بعد أن فافير تعرض لسكتة قلبية فارق على إثرها الحياة، وخلال مباراة نادي المريخ ونادي الأمل عطبرة بالدوري السوداني عام 2010 تسببت نوبة قلبية في خطف روح النيجيري إندورانسإيداهور. ولم يكن اللاعب الهندي بيتر بياكسانغزوالا يعلم أن "شقلبة الموت" سترسله إلى المقبرة، ففي محاولة منه للتعبير عن فرحته بتسجيل هدف قام بحركة شقلبة، فهوى بشكل مفزع على رأسه، وفارق الحياة بعد 5 أيام من صراعه مع الموت.
تجوّل الموت المفاجئ العابر للقارات في البرازيل مع باولو سيرجيو دي أوليفا، وفي أندونيسيا مع الإندونيسي شوريل الذي تعرض لكسر في الرقبة نتيجة اصطدام عنيف مع زميله في الفريق، وحط رحاله البرتغال عندما سقط لاعب بنفيكا المجري ميكلوش فيهير على أرض الملعب، وتوفي بسبب أزمة قلبية، ومن نفس الكأس شرب الغابوني هيرمان تسينغا وباءت جميع محاولات إسعافه بالفشل.
الموت المفاجئ يُصيب اللاعبين العرب
على خارطة كرة القدم العربية، نال الموت المفاجئ من أسماء عدة لعل أهمها وفاة نجم كرة القدم التونسية الهادي بالرخيصة لاعب الترجي التونسي سابقاً الذي تعرض لنوبة قلبية في أثناء مباراة فريقه الودية مع أولمبيك ليون الفرنسي في 4 يناير عام 1997، كما تعرض المغربي يوسف بلخوجة لاعب الوداد المغربي للمصير ذاته خلال مباراة فريقه مع الرجاء البيضاوي، وتوفي المغربي جواد أقدار لاعب حسنية أكادير بنوبة قلبية أيضاً سنة 2012.
ونال الموت المباغت عام 2006 من لاعب الأهلي المصري محمد عبد الوهاب بعد تعرضه لأزمة قلبية حادة خلال التدريبات، ولفظ سالم سعد لاعب النصر الإماراتي أنفاسه بعد أن داهمته نوبة قلبية خلال التمارين عام 2009. كما ودع قصي الخوالدة لاعب الفيصلي الأردني الحياة عام 2013 إثر بلع لسانه في أثناء إحدى المباريات، وهذا تسبب له في الاختناق ومن ثم الموت.
القاتل الصامت
يؤكد أطباء ومختصون أن النوبة القلبية تعد أحد أخطر أسباب موت اللاعبين على أرض الملعب؛ لأنها تحدث دون تعرض اللاعب للإصابة، وللسكتة أو الأزمة القلبية أسباب عدة؛ منها: الأمراض الوراثية والعيوب الخلقية التي تصيب القلب ولا تظهر سوى عند الضغط عليه عبر جهد مكثف خلال المباريات أو التدريبات، وهو ما يؤدي الى إصابة عضلة القلب بالتضخم لدرجة تفقد فيها القدرة على ضخ الدم وترتجف بشكل قوي وهو ما يعرف بـ "الرجفان البطيني" القاتل.
كما توجد عوامل أخرى مسببة لحدوث أزمة قلبية وبلع اللسان لدى اللاعبين؛ منها انسداد الشرايين وانفجار الأوعية الدموية وارتفاع مفرط للأدرنالين في الجسم وحدوث الجفاف، وهي تطورات خطيرة وسريعة تحدث في جسم اللاعب وللأسف لا يمكنه الشعور بها إلا لحظات قبل وفاته؛ لذلك وُصِفت هذه النوبات القلبية بـ "القاتل الصامت".
إجراءات وقائية
مع تتالي الموت المباغت داخل الملاعب لا سيما الذي سببه النوبات القلبية، فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على الأندية إجراء كشوفات طبية بصفة منتظمة على اللاعبين لتفادي حصول الأزمة القلبية أو السكتة القلبية المفاجئة. كما أجبر الفيفا أيضاً الاتحادات الإقليمية للعبة على تجهيز المسعفين بآلات متطورة للإنعاش بهدف التدخل الناجع في حالات بلع اللسان. ومن بين الأمور الوقائية أيضاً لتجنب موت اللاعبين المفاجئ تلتزم الأندية بإجراء تحاليل دم دورية للاعبين لاكتشاف حالات فقر الدم الذي ينتج عنه قصور في الدورة الدموية، وهو أمر قد يؤدي حتماً إلى الوفاة. كما توجد علاجات وعقاقير وتدخلات جراحية تصحيحية لقلب اللاعب المصاب بمرض وراثي في القلب.
وبهذا نجد أن الموت داخل الملاعب شبح يظل يهدد اللاعبين، لكن مع تقدم البحوث الطبية وتتطور وسائل الوقاية يمكن التصدي لهذا القاتل المخيف لاسيما في حال اكتشاف علته بشكل مبكر وتكثيف المراقبة الدورية للاعبين والتعامل بجدية مع الإشارات التحذيرية التي تسبق حدوث الكارثة.