أمال بلحاج
تعيش المدرجات المغربية في الفترة الأخيرة حالة من التناقض الكبير، بسبب بعض السلوكيات المسيئة للكرة بالبلد، إذ في الوقت الذي تركت فيه جماهير عدد من الأندية انطباعا جيدا لدى المتابعين على المستوى العالمي والعربي، عادت لتمحو تلك الصورة، وترسخ صورة جديدة مرتبطة بظاهرة شغب الملاعب الذي غالبا ما يؤدي إلى إصابات، اعتقالات، وأحيانا إلى وفيات.
وعُرف "الإلتراس" المغربي بإبداعاته داخل مدرجات الملاعب، سواء على أرضية ملعبه أو حتى في تنقلاته خارج البلد، وذلك من خلال رفعه لـ "تيفوهات" عملاقة تظاهي مستوى "التيفوهات" العالمية، مرفوقة برسائل مشفرة بلغات أجنبية، مع ما يسمى في المغرب بـ"الأنيماسيون"، أي العروض التي يقدمها الأنصار بالمدرجات، من خلال إشعال الشهب الإصطناعية أو ترديد أهازيج بصوت موحد، إلا أن الشغب قد أفسد كل هذه الإبداعات وجعل منها أزمة حقيقية تفتقر للحلول.
"الإخوة الأعداء" سفراء المغرب
يعتبر الرجاء والوداد الرياضيان، من أكثر الأندية المغربية شعبية في الوطن العربي والعالم، إذ بالإضافة إلى تنافسهما بأرضية الميدان على إحراز الألقاب، فقد اشتهرا أيضا بالتنافسية الكبيرة التي خلقتها جماهيرهما على المدرجات، وذلك من خلال العمل على تقديم أجود منتوج يعطي إحداهما الأفضلية عن الأخرى، إلا أن هذه المنافسة الشريفة تتحول إلى صراع بشوارع مدينة الدار البيضاء بمجرد هزيمة أحد الفريقين، وتؤدي إلى خسائر مادية وبشرية.
وتظل الصورة الجيدة التي يرسمها جمهوري الوداد والرجاء المغربيان بالملعب، معاكسة تماما لما يحصل وراء الكواليس، وذلك من خلال خلق أحداث شغب بين الفترة والأخرى، والتسبب في كوارث جديدة، أو ربما التسبب في فقدان أرواح بريئة ذنبها الوحيد عشقها لكرة القدم أو لألوان إحدى الفريقان، وهو ما يسيء لكرة القدم المغربية التي عرفت تطورا كبيرا خلال الفترة الأخيرة.
من أياد مبدعة إلى أياد وراء القضبان
تعرف ظاهرة الشغب تطورات خطيرة بالمملكة المغربية في الآونة الأخيرة، إذ ينتهي الأمر ببعض الجماهير المتابعة للمباريات من مدرجات الملاعب، بالوقوف أمام قاضي التحقيق بتهمة إثارة الشغب بعد نهاية كل مباراة، في وقت كان يساهم فيه أغلبيتهم في خلق نوع من الإبداع داخل الملعب، قبل أن يتحول به الأمر إلى وراء القضبان، وهو المعطى الذي يؤكد التناقض الكبير الموجود لدى الجماهير.
تعرف مواقع التواصل الاجتماعي، منافسة كبيرة بين أنصار الفرق المغربية حول من يبدع أو يأتي بجديد في عالم "الإلتراس" ومن يتصدر عرش الكرة المغربية، وهو الأمر الذي يزيد من رغبة الجماهير في تقديم صورة فاخرة يتم تسويقها على المستوى العالمي، إلا أن على النقيض من ذلك تماما فهناك فئة من "المحسوبين" تفسد هذه الصورة، من خلال خلق الفتنة بـ"الفايسبوك" أو توعد وتهديد أنصار الفرق المنافسة، ما يتسبب في حرب إلكترونية تتحول إلى حقيقية بعد نهاية المباراة.
التسويق عالميا بين الإبهار وخيبة الأمل
وصلت إبداعات الجماهير المغربية إلى العالمية، خصوصا بعد "الديربي" العربي الشهير الذي جمع مؤخرا بين الرجاء والوداد الرياضيان، ضمن منافسات البطولة العربية، إذ شارك بعض الأنصار البرازيلين "تيفوهات" الفريقين عبر مواقع التواصل الإجتماعي، فيما انبهرت الصحافة العربية بما شاهدته على المدرجات، إلا أن هذا التسويق لا يقتصر على الإبداعات فقط، بل يمتد إلى مشاركة كل أعمال الشغب التي تظهر بعد المباريات، وهو ما يسيء إلى الكرة المغربية.
حاولت الحكومة المغربية التدخل مرارا لإنهاء ظاهرة الشغب التي تحولت إلى أزمة حقيقية داخل البلد، وذلك من خلال اتخاذ مجموعة من القرارات الصارمة أهمها "حل الإلتراس" الذي تراجعت عنه بعد احتجاجات الجماهير في وقت سابق، بالإضافة إلى منع القاصرين من دخول الملاعب، مع توقيف كل الأشخاص التي ترصدهم الكاميرا في حالة شغب، إلا أن مع كل هذه القوانين الصادرة تعود الظاهرة للظهور مجددا بالمدرجات المغربية، دون إيجاد حلول فعالة.