دق بيان الاتحاد الجزائري لكرة القدم بخصوص الاجتماع العاجل لرئيس الاتحاد وليد صادي ورؤساء أندية الدوري الجزائري للمحترفين ناقوس الخطر حول ظاهرة العنف المستشرية في الملاعب الجزائرية بصفة مهولة في الفترة الأخيرة، وطرح الكثير من الأسئلة حول دوافعها وأسبابها ومشاكلها وحلولها وتأثيراتها وسط قاعدة جماهيرية عريضة انتقلت من عشق الكرة المستديرة إلى الاعتداءات والاشتباكات داخل الملاعب وخارجه بحجة الانتماء وحب الألوان.
ما حدث بعد مباراة اتحاد بسكرة ومولودية الجزائر لمشجعي المولودية من اعتداءات خطيرة وثقتها مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، يشير إلى خروج كرة القدم الجزائرية عن الطريق الصحيح وابتعادها عن قواعد التنافس الرياضي الشريف لتتحول إلى مسارح للعنف والشغب باختلاف ألوان الأندية وانتماءات المشجعين.
ولم تكن أحداث ما بعد مباراة اتحاد بسكرة ومولودية الجزائر الوحيدة منذ بداية الموسم الجاري، حيث شهدت الكثير من الملاعب حالات عنف وشغب خطيرة لم تقتصر على دوري المحترفين، بل تعدتها حتى إلى مختلف الدوريات الأخرى، ومنها دوري الدرجة الثانية للهواة، على غرار ما حدث في مباراة مستقبل الرويسات واتحاد الحراش.
وكان الموسم الماضي من الدوري الجزائري شهد بدوره العديد من أعمال العنف والتخريب في الملاعب، ورغم العقوبات المغلظة التي سلطتها رابطة كرة القدم المحترفة على الأندية ومشجعيها، من خلال فرض عقوبة اللعب دون جمهور في العشرات من المباريات منذ الموسم الماضي وإلى غاية الموسم الجاري إلا أن هذه العقوبات لم تكن رادعة وتواصل العنف بسبب تغذيته من عدة مصادر فاعلة في محيط كرة القدم الجزائرية.
التحليل والتحكيم وخطاب الكراهية أضلاع للعنف في الدوري الجزائري
ويرى الكثير من المتابعين بأن ظاهرة العنف في الملاعب الجزائرية تتغذى من ثالوث الشغب المعروف، على حد تعبيرهم، التحليل والتحكيم وخطاب الكراهية، بعدما تجاوز الأمر كل الخطوط الحمراء، بدليل خروج استوديوهات التحليل بالجزائر عن قواعد الموضوعية والروح الرياضية وتبنيها للخطاب الشعبوي والنعرات التشجيعية بلغة الولاء للانتماء والألوان.
ولا تخضع الكثير من استوديوهات التحليل في القنوات الجزائرية برأي الكثير من المتابعين لأي قواعد وضوابط، وتجنح في الكثير من المرات إلى تبني نظريات المؤامرة والفوضى والحسابات الضيقة والتشهير لأغراض ربحية وشخصية في الغالب دون الاكتراث بردود الفعل الجماهيرية، وضرورة مخاطبة المشجعين المراهقين الذين يشكلون الفئة الأكبر من عشاق كرة القدم الجزائرية.
وكانت قضية الحكم الدولي مصطفى غربال وأخطاؤه التحكيمية المثيرة للجدل خلال مباراة أولمبيك أقبو ومولودية الجزائر في الدوري الجزائري بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وأبانت عن ازدواجية المعايير في التعاطي مع بعض القضايا في كرة القدم الجزائرية وفق التوجيه الخطير والهجوم الممنهج.
ولا يقتصر التورط في تأجيج ظاهرة العنف في كرة القدم الجزائرية على التحليل والمحللين، بل يتجاوزه إلى عنصر مهم وهو التحكيم، حيث باتت الأخطاء والفضائح التحكيمية عنوانا بارزا في كل جولة من جولات الدوري الجزائري للمحترفين، ما أدى إلى غضب الجماهير والشعور في الغالب بالظلم وتبني نظرية المؤامرة التي تحولت من استثناء إلى قاعدة في قاموس جميع الأندية الجزائرية.
ورغم تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد "VAR" إلا أن الاتحاد الجزائري لكرة القدم لم ينجح في وضع حد للأخطاء والفضائح التحكيمية، التي تجاوزت حدود المعقول وأججت نار الاحتجاجات الجماهيرية والرسمية من خلال بيانات وتصريحات مسؤولي الأندية المختلفة، مع التشكيك في نزاهة بعض الحكام وخدمتهم لأطراف معنية على حساب أخرى.
ويبرز متابعون تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف في منصات التواصل الاجتماعي كمؤشر محوري في تأجيج ظاهرة العنف في الدوري الجزائري للمحترفين، ولو أن هذا الخطاب يمر في بعض الأحيان عبر القنوات الإعلامية سواء بالتدبير والتحضير أو الجهل والتقصير.
وكانت أزمة مستقبل الرويسات واتحاد الحراش أكبر دليل على تنامي ظاهرة خطاب الكراهية والعنصرية وسط مشجعي كرة القدم الجزائرية، ما أدى إلى تدخل السلطات الرسمية والاتحاد الجزائري لكرة القدم من أجل احتواء هذه الأزمة، من خلال نشر بيانات للتهدئة وتفعيل مبادرة صلح للرد على المروجين للأفكار العنصرية والجهوية التي لم يسبق أن طفت إلى السطح في كرة القدم الجزائرية كما يحدث حاليا بسبب الجانب المظلم للسوشيال ميديا، الذي بات خطرا يهدد مستقبل الكرة الجزائرية إن لم يتم احتواؤه في الوقت المناسب.