مسعود علال
تمثّل مجموعات الألتراس على مستوى العالم كياناً قائماً بحد ذاته، فبمنظومة كرة القدم يجتمع مشجعو الأندية وفق مبادئ وأسس سياسة مضبوطة حتى أنها تبدو أحياناً "غريبة" للبعض، هدفها الأسمى تشجيع النادي ودعمه بكل قوة وفق أساليب عدّة تصل حد "الجنون".
بدأت مجموعات الألتراس في الظهور خلال أربعينيات القرن الماضي بدول أميركا اللاتينية، ثم انتقلت إلى القارة الأوروبية في بداية الستينيات وحتى التسعينيات، وكان من البديهي انتقال هذه الظاهرة إلى الوطن العربي الذي يضم قاعدة هائلة من المشجعين الشغوفين بالكرة، وتبرز مجموعات الألتراس خاصة في دول شمال أفريقيا: مصر والمغرب والجزائر وتونس، بالنظر لتقدمها وبروزها في كرة القدم مقارنة بدول عربية أخرى.
وبالرغم من أن الهدف الأول لهذه المجموعات هو دعم النوادي التابعة لها وتشجيعها، إلا أنها تحوّلت بمرور الوقت إلى حركة اجتماعية وسياسية بامتياز تحمل هموم الشعوب وأحلامه ومطالبه، وتتبنى القضايا المهمة من خلال الإسهام في الضغط على الحكومات والوقوف في وجهها وحتى الإطاحة بها؛ إذ صنعت لنفسها مكاناً وسط فئات الشعب.
تجلى ذلك بوضوح على مستوى الكثير من البلدان العربية خلال العشر سنوات الأخيرة، مواكبة للأحداث السياسية التي عاشتها وما تزال تعيشها هذه البلدان، لتتحوّل مجموعات الألتراس إلى ظاهرة جاذبة للاهتمام وجديرة بالمتابعة والتحليل فيما يتعلق بالدور الفعّال الذي أدتّه وما زالت تؤدّيه في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ألتراس شمال أفريقيا يتصدّر المشهد
انتشرت عبر كامل ربوع الوطن العربي العشرات من مجموعات الألتراس تتصدرها تونس ثم المغرب فالجزائر ومصر، وتعود بدايات ظهورها إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي في المغرب العربي وتحديداً في ليبيا، ثم تونس منتصف التسعينيات من خلال ظهور مجموعة "أفريكان وينرز" التابعة للنادي الأفريقي التونسي، وفتح ذلك الباب لظهور مجموعات أخرى على غرار "ألتراس مكشخين"، و"تورسيدا" و"سوبراس"، "كورفا سود" وألتراس "بلاك أند وايت فايترز".
وفي الجزائر تبرز مجموعات "فيردي ليوني" و"ذا توالفث بلاير" و"إينفيرنو" و"ميغا بويز" و"أولاد البهجة" و"ألترا فاناتيك"، وفي مصر تسيطر مجموعة ألتراس أهلاوي و"الوايت نايتس" على المشهد، بينما في المغرب تبرز مجموعتا "ألتراس وينرز" و"غرين بويز"، فيما يظل وجود الألتراس في باقي الدول قليلاً على غرار العراق وسوريا والأردن.
وحوّلت هذه المجموعات الملاعب إلى فضاء ومتنفس للتعبير عن آرائها والحديث بلسان حال الشعب ومنابر سياسية لتمرير رسائله، لكون الملعب هو المنفذ الوحيد للتعبير عن الرأي بكل حرية دون التعرض لأي إجراءات قانونية أو عقابية، كما أظهرت الجماهير وعياً شديداً بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحيط بهم، المحليّة منها وحتى العربية، على غرار ظاهرة الهجرة غير الشرعية والمخدرات واستنزاف ثروات الشعب والظلم وغياب التنمية.
وفرضت الشعارات والأغاني السياسية نفسها في مدرجات الملاعب بصفتها ظاهرة تعبّر عن الواقع السياسي والاجتماعي، وإفراغ المكبوتات تنديداً بالوضع الذي تعيشه فئات واسعة من الشعب، قصد إيصال صوته لأعلى قمة في هرم السلطة.
شهود على سقوط الرؤساء
منحت مجموعات الألتراس جرعة قوية لباقي الفئات من الشعب من غير متتبعي الكرة قصد الانخراط في الحراك الشعبي أو ثورات الربيع العربي التي مسّت عدداً من البلدان بداية من مطلع العام 2010 على غرار تونس وليبيا ومصر والجزائر والسودان، إذ هبّت رياح التغيير على الأنظمة الحاكمة فيها، بداية بسقوط الرئيس السابق زين العابدين بن علي بعد ثورة الياسمين في تونس، ثم العقيد معمر القذافي في ليبيا، والرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، نهاية بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر بعد "ثورة" 22 فبراير/شباط 2019.
وكان لمجموعات الألتراس دور جوهري في سقوط هؤلاء الرؤساء تباعاً، من خلال قيادة الحشود الضخمة خلال المسيرات والتجمعات، التي شهدت ترديد الأغاني والأهازيج الشهيرة في ملاعب الكرة.
ففي الجزائر تصدّرت أغنية "لا كازا دل المرادية"، وتعني بيت المرادية مقر رئاسة الجمهورية، وتحولت الأغنية التي أطلقتها مجموعة "أولاد البهجة" التابعة لفريق اتحاد العاصمة إلى أشهر نشيد في الحراك الشعبي، وهي أغنية مستوحاة من المسلسل الإسباني الشهير "لاكازا دي بابيل".
وفي تونس وعلى الرغم من الخلافات الحادة التي تطبع غالباً العلاقة بين مجموعات الألتراس المختلفة، إلا أن الانتفاضة الشعبية مطلع العام 2011 جعلتها توحد صفوفها وكانت في مقدمة المنتفضين، والنتيجة كانت الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي 2011.
وفي المغرب نجد أنّ للألتراس دوراً فعالاً ومؤثراً وسط الشعب، وتجلى ذلك في الانتشار الواسع الذي لاقته أغنية "في بلادي ظلموني" التي ألفها ألتراس "غرين بويز" التابعة لنادي الرجاء البيضاوي؛ إذ تعدت حدود المملكة بعد أن اجتاحت وسائط التواصل الاجتماعي، وتختصر الأغنية الواقع الذي يعيشه الشعب المغربي، وتعد بمثابة صرخة في وجه النظام الذي لم يجد من حل سوى منع دخول الألتراس إلى الملاعب.
وفي مصر تصدّر ألتراس فريقي الأهلي والزمالك المشهد خلال ثورة يناير 2011؛ إذ كان عنصراً فاعلاً ومؤثراً في المظاهرات والمسيرات الحاشدة التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، وترك الألتراس بصماتهم من خلال اعتقال بعضهم وسقوط عدد منهم برصاص قوات الأمن.