منذ زمن طويل، كانت القيمة والجودة والإنجاز والإبداع والشغف والالتزام والمسؤولية والمثابرة والرؤية وغيرها من القيم والمعاني والمضامين الإيجابية هي من تؤسس للمعايير والمقاييس والترمومترات الحقيقية للنجاح والتفوق والتميز.
تلك كانت معايير ومقاييس النجاح والشهرة التي صنعتها وتوافقت عليها الشعوب والمجتمعات والتي أسهمت في نهضة وتنمية العالم رياضيًا.
ويبدو أن تلك الحالة/الصورة لم تعد هي من تؤطر حقيقة النجاح الذي تبحث عنه الدول، خاصة الأجيال الصغيرة والشابة المهووسة بالتميز والأضواء والشهرة في عالم الرياضة.
تغيرت الأفكار والمفاهيم والأهداف الرياضية أولمبيا، وتبدلت الأسس والمقاييس والمعايير، وطفت على سطح الواقع حزمة جديدة ومثيرة من الأفكار والمعايير والأهداف التي تُشكّل وتُحدد وتمنح النجاح والتفوق والتميز .
ونحن على بعد سنة من أولمبياد باريس، بدأنا نضرب الأخماس في الأسداس، حائرون، تائهون، ونبحث عن موقعنا فيها، وما هي حصتنا نحن العرب من كعكة الميداليات الذهبية، أم أننا سنظل كومبراسا، في فيلم أمريكي صيني وغيرها من الدول التي حولت الرياضة إلى صناعة؟!
فصناعة البطل الرياضي الأولمبي الذي يُلهم الأجيال في كل العالم، أحد أهم المشروعات الحضارية الوطنية الكبرى التي تصنعها الدول المتقدمة، شرقاً وغرباً، وتضعها في أجندة أولوياتها وسجل طموحاتها؛ فالأبطال والنجوم والأيقونات في المجال الرياضي، بل وفي كل المجالات، قوى ناعمة عظمى تستثمرها الأمم والشعوب بشكل ذكي ومكثف لإبراز تميزها وتفوقها، بل والاستفادة من بريقها وتَوَهجها.
هناك الكثير من الدول والشعوب في كل العالم والتي بالكاد نعرفها، لولا وجود بعض أبطالها ورموزها في بعض المجالات، وخصوصاً في المجال الرياضي الذي يحظى بمتابعة واهتمام كل فئات ومراحل البشر، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا يمكن حصرها في مقال، وجزيرة جامايكا المغمورة، أفضل مثال على ذلك. تُعتبر دولة جامايكا من جزر الأنتيل الكبرى في البحر الكاريبي بمساحة صغيرة لا تتجاوز الـ11 ألف كيلو متر مربع فقط، ويسكنها قرابة ثلاثة ملايين نسمة.
جامايكا والتي تعني «أرض الينابيع» كما أطلق عليها ذلك سكانها الأصليون الناطقون بلغة الأراواكان، جزيرة صغيرة معزولة عن العالم، ولكنها تُصبح حديث العالم بمجرد أن يركض عداؤها في مضمار منافسات العدو السريع في الألعاب الأولمبية كل أربع سنوات.
فقائمة الميداليات الملونة في مسابقات العدو السريع الأولمبية مزدحمة بالأبطال الجامايكيين والجامايكيات ويظل الرمز الأشهر على الإطلاق الذي حمل جامايكا لكل العالم بكل خطواته السريعة الواسعة التي تسبق الريح هو يوسين بولت أسرع عداء في تاريخ الألعاب الأولمبية لسنوات عديدة، وحامل الأرقام القياسية في سباقي 100 و200 متر، وأول بطل يفوز بسبع ميداليات ذهبية في تاريخ الأولمبياد، وأحد أعظم الرياضيين على مر العصور.
وصناعة البطل الأولمبي معقدة جداً، ولكنها ليست مستحيلة. هي منظومة صناعية متكاملة، لها أهدافها وأدواتها ومقوماتها وآلياتها ودراساتها وتجاربها وحوافزها وتفاصيلها المدروسة بعناية فائقة. والتجارب القريبة والبعيدة التي نجحت في صناعة الأبطال الأولمبيين، كثيرة ومعروفة، والمجال الرياضي بشكل عام لم يعد ساحة للهواة أو تسلية لقتل الفراغ، ولكنه تحوّل لصناعة حقيقية تدر المليارات وتوفر ملايين الفرص، بل وتجاوزت ذلك بكثير، فهي الآن قيمة حضارية كبرى تمنح الأمم والشعوب الكثير من الامتيازات والشهرة والأضواء. الرياضة الآن، بل منذ سنوات، أصبحت الحلم الذي تركض خلفه كل الأمم والشعوب والمجتمعات.
صناعة البطل الأولمبي تتطلب انتقاء اللاعب منذ أن يكون عمره ست سنوات، سن وجوده في المدرسة وحينها يتم تحديد اللعبة التي يستطيع ممارستها ثم يتم تعليمه وصقل موهبته، ووضع خطة طويلة الأمد يمر من خلالها على العديد من المراحل التي تجعله بطلاً أولمبياً بعد ذلك، والاستعداد قبل الدورات الأولمبية بشهر أو شهرين ليس كافياً للمنافسة على الميداليات، وإنما التخطيط الصحيح واستقطاب الخبرات المختلفة من الدول التي لديها باع في الألعاب الأولمبية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، التي تسهم في تطوير اللاعبين وصقل مواهبهم وتأهيلهم للمشاركة في مثل هذه الأحداث العالمية.
صناعة البطل الأولمبي ينبغي أن يكون الهدف الذى نسعى إلى تحقيقه لا يأتي بين عشية وضحاها، لتدارك الأخطاء الفادحة التي وقعنا فيها طيلة السنوات الماضية، التي أنهكت ميزانية العديد من الدول دون أن يتم ترجمتها إلى نجاحات أو نتائج تتناسب مع ما تم أنفاقه، صناعة البطل الأولمبي من وجهة نظري هو مشروع وطني، يحتاج لمشاركة العديد من المؤسسات، بدأ من الأسرة والمدرسة ووصولاً إلى الأندية وبقية المؤسسات الرياضية، فالكل يشترك في تحقيق هذا الهدف الذي تعول عليه جميع دول العالم إلا نحن، وهذا المشروع عبارة عن علم يجب أن يطلع به القادر عليه، وهؤلاء موجودون في العديد من الدول العربية، لكن للأسف لم نعتمد عليهم حتى الآن .
مشروع البطل الأولمبي يتطلب إحياء الفكرة القديمة وهي «الكشافون»، المسؤولون عن اكتشاف المواهب الشابة في القرى والبوادي، وأن نوفر لهؤلاء برامج تأهيل مناسبة تضعهم على أول السلم الأولمبي، بجانب إعطاء دفعة قوية للرياضة في المدارس؛ خاصة في الألعاب الفردية التي إذا أحسنا الاهتمام بها لتوفر لدينا أبطال قادرين على تحقيق الميداليات الأولمبية بسهولة شديدة، بدلاً من انتظار أن تمنحنا السماء ميدالية هنا وهناك تجمل وجهنا أمام العالم كله. في النهاية نحن بحاجة لتفكير علمي مدروس لنضع الرياضة العربية على الخريطة الأولمبية، لأنه بدون ذلك ستتكرر خيباتنا وانتكاساتنا، خاصة في ظل رفض المسؤولين عن الرياضة الاعتراف بأخطائهم وترك المسؤولية لغيرهم.
* حتى لا ننسى كلمة أخيرة
اللجان الأولمبية العربية برمتها ليست مسؤولة على تقهقر الرياضة، المسؤولية بالأساس تتحملها الاتحادات التي تلهف ميزانيات ضخمة وهي قابعة على كراسي متحركة تتلذذ المسؤولية بدون (حشمة).. ولا شعور بالمواطنة. وتخفي حقيقة فشلها وراء خيوط أَوْهَى من خيوط العنكبوت.